syria.jpg
مساهمات القراء
قصص قصيرة
لحظـــة فارقـــة .3/3 . ..بقلم : محمد نجدة شهيد

كانت أحلام امرأة عادية من عامة الناس اعتقدت أنها تزوجت من رجل طويل عريض فحل مثل كل الرجال . لم تكن تحب مروان ، ولكن جسدها كان يريد رجلاً . كانت تهوى الرجال دونه . تعيش معه وهي تكره كل شيء فيه ، تكره رائحه جسده التي تشبه صنانة الحمير ، وأنفاسه التي تفوح منها رائحة النجاسة .


لم تكن هناك ليلة في حياتها تشبه الأخرى ، أحياناً كان يأتي طائعاً غير مبالي يسلمها أمره ويعترف بعجزه ويتركها تفعل ما تشاء بجسده المهلهل . كانت تحس أنها أشد عجزاً منه ، وكان هـو لا يكف عن الحديث عن مغامراته المزعومة مع عاملات تنظيف المخزن ، والطبخات في جمعية حفظ النعمة في الحي ، والشغالات في دور سكن فروع المخزن الخارجية ، كلمات فارغه تنقضي في كآبة وصمت وبرود .

وأحياناً يطلب منها أن تتركه في حاله ، وسرعان ما تسمع شخيره طوال الليل ، وعندما يستيقظ في الصباح يتمطى مثل حيوان بري وهو يتأهب لالتهام وجبة افطار عملاقة . كان يجب أن تذبحه في الليلة الأولى ولكنها لم تفعل . وأحياناً أخرى كان يأتي غاضباً ، يتهمها بأنها ليست عذراء ، ومن أجل هذا لا يستطيع الاقتراب منها . كان يتهمهما بمضاجعه الجميع حتى السائقين في المخزن . وينتهي الأمر بأن تنشب أظافرها في جسده المهلهل مثل القطة الشرسة التي حوصرت ولم تعد تملك إلا أظافرها .


أخيراً يا رب أخيراً

جاء السائق جهاد وهو يحمل كالمعتاد أكياس الطعام من المطعم الصحي على حساب المخزن ، وقام بوضعها في مطبخ البيت . عاد ثانية وهو يحمل أسطوانة غاز لاستبدالها بالفارغة . كان قصير القامة صغير الحجم . أصبحت أحلام تكره أمثال مروان بعد أن أرتبط في ذهنها ضخامة الجسد بالعجز .


وقفت أمام المرآة تتظاهر بتسريح شعرها وهي ترى جهاد كيف يضغط على جسدها بنظراته بينما الطريق امامه مفتوح العبور. كانت رائحة رغبته فيها تلاحقها في حركته . وعندما هم بالخروج استدارت ثم اعتدلت ونصبت قامتها وبرز نهداها للأمام حتى أوشكا أن يعترضا طريقه . استدار إليها ببطء ، رأى وجهها وملامحها وعينيها اللتين تشعان بالشهوة ، أحس أنه يدخل إليهما بلا عودة .


دخلت به غرفة النوم . اعطته نهدها وعضت أذنه بأسنانها وهي تحس بأصابعه المرتعدة تندس في جسدها . أخذت تدخل أصابعها في شعره وتمسده حتى يهدأ . أمسك رأسها بين يديه واخذ يطوف بشفتيه فوق وجهها . سمعها وهي تتأوه في خفوت وأحس بأنفاسها الساخنة وهي تتردد عبر صدرها . كانت تحس بارتياح غريب ، وتسري في جسدها رعشات الرغبة المكبوتة . لا بد وأنها نظرت إلى عورته وازدادت قيمته في عيونها حين كان يصعد السريرعارياً ويقترب منها ليعلو جسدها .


قادته برق ولين حتى أدخلته في عالمها الدافئ . تأوهت وقالت من أعماقها .. أخيراً يا رب أخيراً . كانت تحيطه بذراعيها وساقيها . احتضنته لدرجة الالتحام . كانت فورة الرغبة المختبئة في جسدها تنتظر من يكتشفها ويفجرها . أحست بارتياح غريب . كان كل ما يمور في جسدها من انفعالات مكبوتة قد وجد متنفساً الآن بعد أن كلت روحها من فرط الترقب والاحباط .


لم تكن صورة مروان تفارق خيال جهاد وهو يزمجر فوق جسد أحلام في أصوات غريبة . كان ينتقم بذلك لكل عذابات الماضي منذ أن وقع المخزن الكبير تحت نير مروان الصغير والضرير . كانت الصور أحياناً تختلط في خيال جهاد فكان يشعر في بعض اللحظات كأنه يعلو جسد مروان نفسه .


غادر جهاد الغرفة إلى الصالون لفترة وجيزة وترك أحلام بعد أن مزق ثوبها وهي تنزف . لم تفكر في النهوض استدارت فقط فرأى مدى ارتفاع نهديها . وعندما عاد قال لها : الأستاذ بيجوز يزعل مني إذا عرف . هادا واحد بن حرام بينقلني لمحل تاني الزراعة المحافظة التربية . هونت عليه الأمر وهي تقول وين المشكلة بيجوز يكون هيك أحسن لك . بتلاقي مدرسة قريبة من بيتك وعندك عطلة صيفية طويلة وبعدين بتخلص من خلقته وريحته كل يوم .



جرذ في مصيدة

كان مروان في أيامه الأخيرة قبل الحصار يمر بحاله من القلق المرعب . كان ينفق كل وقته وهو يفكر بالبحث عن طريقه يزيل فيها الدم المتراكم تحت أظافره ، وعن مكان يختبئ فيه ولو إلى حين . كان موقناً بأن ما فعله لا يُغتفر وأن عليه أن يتحمل العقاب . كان يدرك في داخله بطريقة غامضة أن السقوط حتمي وقد اقترب موعده . فقام بعرض بيته غرب المدينة للبيع . كان المشترون عندما يسمعون باسمه لا يعودون .


ابتسم مروان لأول مرة قبل الحصار بيومين وهو يحس بالشمس تبعث في داخله دفئاً جديداً ، وإحساساً متأخراً بالحياة ، كم تمنى لو أنه يستطيع الركض في هذه الشوارع والهروب إلى الأبد من أحلام وسلاطة لسانها وحدة أظافرها ومن عتمة بيت الشيطان . توقف أمام مسجد الحي وجلس وحيداً مستنداً إلى الجدران . لم يصل مروان قبل الآن ، ولم يفكر في الصلاة يوماَ . أخذ يتطلع إلى الآيات القرآنية المكتوبة على الجدران دون أن يستطيع قرأتها .


انساب صوت المؤذن العذب في فضاء الميدان ، رائقاً شجياَ وفيه مسحة واضحة من الحزن . كان شيخ المسجد الذي يعرفه جيداً يقترب منه تطل من عينيه تلك النظرة التي تخيف أمثاله من الفاسدين في المدينة . كان يحرص دائماً على أن يدعو ويبتهل في جميع صلواته مع بقية المصلين : اللهم عليك بالفاسدين فإنهم لا يُعجزونك .


شعر مروان بالرهبة من نبرات صوته وطريقته في الكلام . كان الشيخ يتحدث كالمنوم ، كأن الكلمات تأتيه من عالم آخر . كان يقف أمامه بأنفاسه الثقيلة ، أحس بصوته يخترق أذنيه : هل تحب الاطلاع على نهايتك ثم ترتب حياتك وفقها . انتظر يا مروان ، انتظر . أنت لا تزال تحتاج لتعاني أكثر قليلاً في الحياة الدنيا .

الظلام بدأ يهبط ، والمصلون يستعدون لصلاة المغرب . نهض مروان وغادر المسجد محني الرأس يشوب وجهه صفرة من الفزع وهو يربت بيده على صدره المليء بالحقد والكراهية .


غفوة .. وحلم عابر


كان مدير المخزن ما زال رابض في مكتبه كأخطبوط عجوز أخفى طويلاً مراراته وأظفاره بانتظار اللحظة الحاسمة . كان يعاني من حالة مزمنة من الضياع منذ أن تركته السنون اسير الظل مرات عديدة في المخزن بعد أن أعتاد التنقل بين الدول والسكن في فروع المخزن الخارجية ، ولم يزرع في وطنه حين عاد إلا الغربة .


غفى يوماً في مكتبه ، فرأى كأن ببابه من جاء لينزع عن وجهه أقنعه الوداعة والتواضع والسماحة الزائفة . لا أحد يدري كيف استطاع أن يستمر بعمله مع كل هذه المشاعر المزيفة . وفجأة أخذت كل الهواتف تطن دفعة واحدة . ظل ينظر إليها ولا يعرف بأي واحدة منها يبدأ . كان خائفاً منها جميعاً . الهواتف تواصل الطنين تجمعت في صوت يشبه الزئير .

توقف الطنين فجأة كما بدأ ، ساد صمت عميق ، وظل وجه المدير محتقناً ، عاجزاً عن التقاط أنفاسه بصورة طبيعية . عاودت الهواتف الطنين ، وأخيراً تحركت أصابعه . جاء الصوت هادئاً من طرف بردى المجد واضحاً وصارماً لا يفسح مجالاً للتوسل أو الاستعطاف : مشي مروان .. بعته وين بتريد المهم يمشي .


استيقظ المدير وانتفض كرشه الضخم بعنف وهو ينادي في الحلم على مروان بأسمائه الــ99. وظل يفرك عينيه كأنه يحاول التأكد من أن ما رأه وسمعه كان مجرد حلم ، لكنه تذكر على الفور ما كان يقول له رئيس مخازن المدينة الأسبق منذ سنوات قليلة في بعض أيام الثلاثاء عـن مروان " ولك هادا عبيسرق باسمك . قلعه خلاص منه " .


خارطة جسد

كانت أمه امرأة ضخمة الجسد تعمل في بيوت البلدة ، وفي بيوت العمال الموسميين الذين تستقبلهم البلدة بلا أي ترحاب . تطهو وتنظف وتغسل الملابس ضمن خدمات أخرى . كانت تأتي متشحة بثوب أسود . كانت جميلة بحق . شفتاها ممتلئتان منفرجتان قليلاً . وحين كانت تخلع ثوبها لمن يريد كان جسدها يبدو ناصع البياض متألقاً وسط العتمة ، فتتسع العيون وتتمدد الأعضاء . كانت تقوم بذلك بلا مبالاة ، وفي بعض الأحيان وهي تدخن السجائر المهربة .



وعندما كانت تعود للبيت في ظاهر البلدة ، كان أبو مروان يتقلب عليها ويظل يصفعها ويضربها حتى تقبل أطراف أصابع قدميه . تعمل طوال النهار وجزء من الليل تجوب البيوت وترجع له بالحصيلة . فيأخذها منها دون كلمة ويتركها منزوية في أحد أركان البيت حين يعود .


وحين حضرتها الوفاة كان وجهها قد تغضن . وأصبحت عيناها مطفأتان ، استنفذتا كل ما فيها من دموع . كانت لا تتوقف عن الدعاء والاستغفار. وفي الصباح صعدت امرأة إلى سطح بيت أم مروان وناحت بصوت عال : ماتت أم مروان . وضعوها على عجل في قبر يحوي رفات جدتها التي كانت تشد الفرش في البلدة ، وما أن تنتهي من شد الفرشة حتى يشدوها إليها . وعندما حضرت ملائكة العذاب وعقدت محاكمة الموتى فوق قبرها كان أول ما سألوها كيف بتجيب ولد متل مروان ؟ قالت إنها لا تعلم . فالليالي متشابهة والرجال في الظلام متشابهون . حال هول الموقف وضيق القبر دون فهمها للسؤال .



إنهم يتجرؤون على الفرح

وعندما طوى جبال لبنان ، وجاء خبر موت مروان ، كبر الموظفون تكبيره سُمعت بأعلى المدينة . فزع المدير بآماله إلى الكذب . وعندما تيقن من صحة خبر المصير المرعب الذي انتهى إليه مروان وبأن جثته وُجدت ملقاة في خندق تنهشها كلاب الطريق ، أخذ يُبدي أمام الآخرين دهشته من تقلب الدهر وهو يستمع منهم إلى التفاصيل . وانهمرت في هذه الأثناء من عينيه دمعتين في غفلة منه . ولكن ما أن خرجوا حتى أغلق عليه بابه ، وأخذ يبكي كما لم يبكي من قبل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

https://www.facebook.com/you.write.syrianews

2015-03-14
التعليقات
زميل
2015-03-15 13:08:20
شكر للكاتب
شكرا لك ايها الكاتب الصادق على فضح ما جرى في أهم مؤسسة بالدولة من مخازي وبلاوي باسلوب قصصي شيِّق وندعو الله أن لا يطول صبره على أولئك الظالمون .

سوريا