news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
نظرة على مستقبل اللغة العربية... بقلم : النحلاوي
syria-news image

غالباً ما تُشبهُ اللغةُ بالكائن الحي، تُولد وتنمو وتضعف وتموت. وعلى مرّ التاريخ ماتت لغات كان لها في زمانها أهمية بالغة منها على سبيل المثال الفرعونية والإغريقية واللاتينية.


 تشير الإحصائيات إلى زيادة سرعة موت اللغات في وقتنا الحالي، وزيادة عدد التي تموت منها فقد تتراوح ما بين 250 و300 لغة سنوياً. تدفعنا هذه الحقيقة إلى التساؤل عن أسباب موت اللغات : هناك أسباب عديدة منها موت المتحدثين نتيجة الأوبئة أو الإبادة الجماعية، أو نتيجة هجر تلك اللغات واستخدام لغات أخرى بدلاً عنها، سواء بدافع ذاتي، أو بسبب عامل خارجي كالاستعمار الذي يفرض لغته على المستعمرين.

 بما أن اللغات تموت فهل يمكن أن تموت العربية الفصحى؟

 إن الفصحى مثلها مثل غيرها، تخضع لنفس قوانين حياة وموت اللغات، فإن هجرها الناس ولم تعد لغة الحديث بينهم فإنها ستموت حتماً وستحل محلها لغة أخرى. ولكي نعرف إن كانت ستموت أم لا يجب علينا أن نتساءل عن واقع الفصحى بيننا.

إن نظرة سريعة على الواقع في الوطن العربي تبين لنا أن ما من دولة أو مدينة أو قرية يتحدث سكانها العربية الفصحى، على الرغم من أن الفصحى هي لغة الكتب المدرسية في غالبية مراحل التعليم وهي لغة الكتب والمجلات الثقافية إلا أنها ليست لغة الناس فيما بينهم. وأن الأطفال يبدؤون بتعلمها ابتداءً من عمر الست سنوات، أي مثلها مثل أي لغة أجنبية،  وأن تعلم الفصحى هو للنجاح بها في المدرسة لا للحديث بها، والدليل على ذلك أن كثير من المتعلمين لا يستطيعون خوض نقاش قصير بالفصحى بدون أن يرتكبوا الكثير من الأخطاء النحوية. وأن من يتحدث بها قد يصبح محط سخرية الآخرين وقد يصفونه بالـ"متفزلك" أوبالـ "متخلف" أوبالـ "متحجر".

ويكاد يقتصر استخدمها على أشخاص محددين وأماكن محددة فعلى سبيل المثال لا الحصر يستخدم رجال الدين الفصحى في مواعظهم الدينية، وذلك في أماكن العبادة فقط. حتى أن هناك بعض من مشاهير رجال الدين من يدخل الكثير من الكلمات العامية في حديثه، مع أنهم يعرفون المرادف الفصيح لها.

إن جهوداُ تبذل في بعض الدول لتمكين الفصحى كتلك التي تبذلها لجنة تمكين اللغة العربية في سوريا، التي أصدرت قراراُ بتغير أسماء المحلات من الأجنبية للعربية وقراراً بالكتابة بالعربية على المنتجات التي ستباع في الأسواق المحلية. إلا أن المفاجأ في الأمر هو ردود فعل كثير من السوريين دلت على مدى استياءهم من تلك الجهود، كما دلت على عدم تقبلهم للفصحى. وهذا يدل على هجرانهم لها بدافع ذاتي، وهذا مؤشر على قرب موتها.

 هل تعهد الله تعالى بحفظ الفصحى؟

 ما إن  تذكر حقيقة أن الفصحى قد تموت إن بقي الحال كما هو، حتى يندفع المحامون عنها بقولهم: إن الفصحى لغة مقدسة فهي ستبقى ما بقي القرآن الذي تعهد الله تعالى بحفظه وهذا يعني أنها ستبقى أبد الدهر. مستشهدين بالآية الكريمة : ﴿ إنّا نحن نزّلنا الذكرَ وإنّا له لحافظون﴾.

صحيح أنها لغة القرآن، ولكن من غير الصحيح القول بأن الله تعالى تعهد بحفظها، وكلمة الذكر هنا تعني القرآن فقط و لا تعني اللغة بأكملها فالقرآن كتاب تشريع وليس معجماً لغوياً ولا كتاب قواعد.

وأستشهد هنا بفتوى لمفتي مصر الشيخ الدكتور علي جمعة، الذي أوضح أن القرآن الكريم لا يشتمل على جميع اللغة العربية من جذورٍ وتراكيبَ ومعانٍ، وإنما على نسبة ضئيلة منها (أقل من 30% من الجذور العربية، مثلاً) وأن تلك النسبة الصغيرة في سياقاتها ودلالاتها المحددة هي التي تستمد قدسيتها من القرآن الكريم، وأمّا غالبية اللغة العربية، فليست مقدّسة، ولهذا فهي عرضة للتغيير ، وطبعاً للانقراض كذلك.

 إذا لم يتعهد الله تعالى بحفظ العربية الفصحى، لأن هذا الأمر عائد للمتحدثين بها، فهم إن أرادوا أحيوها بتمسكهم ودفاعهم عنها، وهم إن أرادوا أماتوها بهجرهم لها، وهذا ما يحدث في الواقع.

 أي لغة قد تحل محل الفصحى إن هي ماتت؟

 ستحل محلها بالتأكيد اللغة التي يشعر معها الناس بالإلفة، ففي واقعنا الحالي نجد أن اللغات العامية هي المنتشرة في غالبية الوطن العربي بالإضافة للغات أجنبية كالإنكليزية في الخليج العربي والأردن، والفرنسية في دول المغرب العربي ولبنان.

إن اللغات العامية هي المرشح الأكبر للحلول محل الفصحى، إذ أن العامية هي لغة الأهل مع أبناءهم، أي أنها بكلمة أخرى " اللغة الأم"، وهي لغة التواصل بين الناس، وهي اللغة الغالبة في التدريس من رياض الأطفال حتى الجامعة.  صحيح أن الكتب بالفصحى ولكن الشروح والأحاديث والمناقشات هي بالعامية. حتى أن بعض مدرسي مادة اللغة العربية يشرحون دروسهم بالعامية.

ومع انتشار وسائل الاتصال الحديثة انتشرت الكتابة باللغات العامية انتشاراً هائلاً، فأصبحت العامية لغة الحديث ولغة الكتابة والقراءة في مواقع الإنترنت لكثير من العرب، بينما يقتصر دور الفصحى على كونها لغة القراءة والكتابة في عدد أقل من المواقع. وهذا الأمر يزيد من ألفة الناس ومحبتهم للغة العامية ويبعدهم عن الفصحى.

 يمكنني القول أخيراً بأن العامية قد أصبحت اللغة الأم ولغة التواصل في الحياة اليومية ولغة التفكير وحتى لغة الكتابة، فهي الأقرب للقلب واللسان، بينما أصبحت الفصحى كاللغة الأجنبية لا تستخدم إلا عند الضرورة. ألا يدل هذا على أن الفصحى تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن اللغة العامية قد تحل محلها؟

2010-11-04
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
المزيد