news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
بين المعارضة والاعتراض ...بقلم : الدكتور المهندس أكرم شحيدة

تريّثت طويلاً قبل الكتابة حول ما يحدث في سورية، محاولاً أن أستجمع عناصر المشهد للوصول إلى صورة واضحة. ولدى مشاهدتي ما حدث وما يحدث حتى الآن، تردّني الذاكرة إلى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما اندلع العنف المسلّح ضدّ سيادة سوريا تحت حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد. كان الأخوان المسلمون هم الطرف الأساس في الصراع ضدّ السلطة، وضدّ كل أشكال الحكم: المدنية والعسكرية، والعلمية، ولم يسلم منهم حتى عمّال النظافة العاديون.


كان الصراع طائفياً بامتياز على السلطة ومن أجل الاستيلاء على نظام الحكم بالقوّة. لم يكن بعد قد تبلور بعد ما يُسمّى بالحركات الإسلامية السياسية العربية (أو ما يُطلق عليها الإسلاموية)، تمييزاً لها عن التيارات الدَّعَوية المعتدلة. وبالتالي، لم تكن قد برزت الدعوات الجهادية بشكلها الواسع، اللهمّ إلاَ ما كان قد بدأ ضدّ الغزو السوفييتي لأفغانستان لمساندة حلفائهم هناك.

 

وما كان لتنظيم الأخوان المسلمين أن يقوى دون مساعدة أطراف خارجية، ووجود حاضن اجتماعي (الصامتين) الذين وفّروا لهم البعد اللوجستي للتنقل والفرار من الملاحقة، وخلال عمليات الكرّ والفرّ مع الجيش والقوى الأمنية. بعض الأطراف العربية الخارجية التي ساعدت الأخوان المسلمين في الماضي، شاركت في الأحداث الحالية، حيث تدرّب أعضاء الأخوان المسلمين في مراكز تدريب أُعدّت خصيصاً، ولفترات طويلة. أما الأطراف العربية الحالية، فقد زاد عددها، وزاد حقدها، واختلفت تقنياتها، إضافة إلى الحملة الدولية الواسعة التي تتظاهر بحماية حقوق الإنسان، لكنها مستعدة لسحق أي حقوق إنسان عندما يتعلق الأمر بمصالحها.

معنى أن تكون معارضاً

 

فكّرت كثيراً في صفات المعارض الحقيقي الذي يمكن أن يكون معارضاً سياسياً، أو معارضاً علمياً، أو معارضاً فكرياً .. إلخ. من صفات المعارض الحقيقي، أنه دائماً صاحب فكر، وصاحب وجهة نظر. لا يهمّ إن كان مركزه في سلّم السلطة الإدراية مرتفعاً أو عادياً، أو حتى منخفضاً، المهمّ أنه يستطيع أن يعبّر عن وجهة نظره بالشكل الذي لا يعرّضه للخطر، ولا يعرّض الآخرين للخطر.

 

أن تكون معارضاً، يعني أن تتقبّل الآخر كما هو بسلبياته وإيجابياته، لكن دون أن يتجاوز الثوابت التي تتعلق بوحدة الوطن وكرامته.

أن تكون معارضاً، يعني أن تتمكّن على الدوام من فهم ما بين السطور.

 

أن تكون معارضاً، يعني ألاّ تدخل اللعبة التي تعتبرها قذرة، وتخالف المبادئ التي تؤمن بها.

أن تكون معارضاً، يعني أن تنطق بالحق، أنّ الشمس تشرق من الشرق، إذا قال من تعارضه أنها تشرق من الشرق.

أن تكون معارضاً، يعني أن تكون قدوة لمن ينظر إليك ويسمعك، وأن تكون قدوة لمن تعارضه.

أن تكون معارضاً، يعني أن تكون الأسرة، والرصيف، والشارع، والحيّ، والقرية، والمدينة، والبلد في دمك، وفي عينيك، وفي خلايا دماغك.

 

أن تكون معارضاً، يعني أن تبتعد عن المهاترة، والمتاجرة، والعفوية، وألاّ تكون رخيصاً، يبيعك ويشتريك من يريد، وفي أي وقت يريد.

أن تكون معارضاً، يعني أن لا تفوح من كلماتك رائحة الخيانة والاستهتار بكلّ ما يؤمن به الوطن، بحجّة التغيير والتطوّر.

معنى أن تكون معترضاً

إذا قال لك والدك، أو أخوك، أو صديقك، أنّ الشمس تشرق من الشرق، فترفض وتقول: لا، إنها تشرق من الغرب.

إذا زادت الحكومة الرواتب، أو خفّضت الضرائب، أو دعمت الخبز والمازوت، أو حقّقت الأمن الغذائي للمواطن، تقول: ما هذا الهراء. هذا لا يكفي، وتبدأ بالجدال والمماحكة والضرب يميناً وشمالاً بمن يحبّك وبمن يكرهك.

 

إذا كنت تركب في سيّارة وتوقفت على إشارة المرور، تفقد أعصابك، ويرشح عرقك، وتتشنج عضلاتك، وتقول: الله يخلّصنا من هذا البلد المتخلّف، متى يصبح بلدنا بدون إشارات مرور، أو حتى بدون شرطة.

 

إذا كنت تريد الخروج لقضاء بعض الأعمال، وصدف أن بدأ هطول الأمطار، تنظر بشذر واستخفاف وتقول: "ياريت توقّف المطرة شوي لحتى خلّص مشواري". تريد أن تمنع خير السماء من أجلك أنت، وأنت فقط.

 

إذا حدث وهجم بعض المتمرّدين على الناس الأبرياء، وقتلوهم ومثّلوا بجثثهم دون وازع من ضمير، أو دين، أو عُرف، أو أخلاق، تقول: "من زمان كنت عَم قول رَح نوصّل لهون"، دون أن تُبدي أدنى قدر من النقد البنّاء، أو إظهار أي نوع من المواساة.. وغير ذلك كثير.

بين المعارض والمعترض مسافة واسعة، لأنّ المعارض يحاول أن يبني دائماً، ولو على حساب راحته. أما المعترض، فهو إنسان هوائي، انفعالي، أناني، لا يفكّر بغير مصلحته الآنية .. وحبّذا لو فكّر بمصلحته على المدى البعيد. لكنه في النهاية وإن خرّب قليلاً، فلن يدمّر إلاّ نفسه.

هل ما يحدث معارضة أم اعتراض

 

أقول وبعد مراقبة وتحليل ما حدث وما يحدث، أنه اعتراض في مجمله وليس معارضة. فما حدث من عمليات قتل وقنص وتشويه لأفراد الجيش العربي السوري والقوى الأمنية، وقتل وتمثيل وترويع المدنيين، وإتلاف وحرق وتدمير المنشآت العامة والخاصة، لا يمكن أن يدلّ إلاّ على عقلية معترضة وصلت إلى درجة الإجرام بحقّ كلّ من في هذا الوطن.

أين دور علماء الدين وأئمة المساجد

 

لقد أثبتت الأحداث أن الدور الذي لعبه علماء الدين لدينا لم يكن إيجابياً بالشكل الكافي، أي أنه لم يلعب دوراً في بناء العقل الديني النقدي، وإنما عمل على تكرار نفسه، كما عوّدنا عبر التاريخ الإسلامي – ما بعد الانحطاط – وعمل على نشر الدين على أنه مجموعة من العواطف، وليس مجموعة من الأسس العقلية التي تنظّم الحياة وتبني الوطن.

لا يمكن لأئمة مساجد يقبضون راتباً شهرياً، ناهيك عن مستوى التأهيل العلمي أن يكونوا مؤثّرين – إلاّ ما نَدَر – وهذا ما بدا واضحاً من انطلاق الاحتجاجات من دور العبادة، التي يُفترض بها أن تكون مراكز لانطلاق التسامح، والمحبة، والتنوير. وأودّ أن أضيف هنا أني لم أجد حتى الآن رجل دين "معارضاً"، بل وجدت أن بعضهم كانوا "معترضين"، وهذا ما دلّت عليه الأحداث الأخيرة.

 

في هذا الإطار، لا بد للسلطة التنفيذية من إعادة النظر بدور أئمة المساجد، وإعادة تأهيلهم، وكذلك إعادة النظر بدور وزارة الأوقاف، التي تعتبر إحدى أغنى الوزارات، وإعادة النظر بمناهج التعليم الديني – إمّا تطويرها أو إخراجها من مناهج التعليم، وحصرها بدور العبادة، وهذا يشمل جميع الأديان.

حول من يطالب بنشر الفوضى

 

لاحظت أن جزءاً كبيراً ممن يدّعي أنه يكتب، أو يناقش، أو يطرح أفكاراً من أجل الوطن، إمّا أنّ أفكاره غير ناضجة بالشكل الذي يمكن أن تساعد في حلّ المشكلة – طبعاً لنقص في طريقة التعاطي السياسي أو الفكري – أو أنّ أفكاره غير منظّمة رغم أنها تحوي بعض الأفكار الجيدة، أو أنه لا توجد لديه أولويات حول ما يجب تنفيذه أولاً.

فمنهم من يطالب بوقف كل أشكال الظهور الأمني أو العسكري – طبعاً المقصود بها الدولة – شرطاً لبدء الحوار. ومنهم من يطالب بحلّ حزب البعث، ومنهم من يطالب بتشكيل حكومة انتقالية... ومنهم.. ومنهم.

 

من يطالب بوقف تدخّل الجيش أو الأمن لحماية أرواح المواطنين والممتلكات العامة من التخريب ولملاحقة الخارجين عن القانون، إما أنه أحمق لا يعي ما يقول، أو أنه مرتبط ومنظّم ضمن حملة التخريب بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر. فكيف يحاول هؤلاء أن يعطوا الفرصة لمن استباح كلّ الدماء والحرمات، كي يتفاوضوا مع دولة ذات سيادة. ومن يطالب بحلّ حزب البعث، يتدخّل فيما لا يعنيه. ومن يطالب بتشكيل حكومة مؤقتة، يقصد تعميم الفوضى عن سابق إصرار وتقصّد.

الهدف الأسمى

 

يتجلّى الهدف الأسمى من وجهة نظرنا، بعد أربعة أشهر من الحراك الشعبي المترافق مع اعتداءات العصابات الإجرامية، في تثبيت الوضع الأمني للبلد، مع عدم استخدام القوة المفرطة، لحماية السكان المدنيين الذين يشكّلون درعاً بشرياً بإرادتهم أو بغير إرادتهم، رضي من رضي أو لم يرضَ. لأنّ الهدف من ذلك، ليس تثبيت النظام كما يتشدّق البعض، بل هو الحفاظ على استقرار الوطن وكرامة المواطن وسيادة الدولة على كامل ترابها الوطني.

 

من الواضح أن هدف "المعترضين" ليس الإصلاح كما يعلنون مراراً وتكراراً، بل الوصول إلى حكم العباد والبلاد، والجلوس على كرسي الحكم بأي شكل من الأشكال، ولو أدى ذلك إلى قتل ثلث الشعب السوري، كما صرّح ويصرّح بذلك "شيوخ الفتنة"، إضافة إلى "معترضي" الداخل والخارج الذين يشدّون على أيديهم، عندما يعلنون أن "لا حوار" حتى يتوقف ما يطلقون عليه "الحلّ الأمني"، رغم أنهم هم من بدأه ومساندوهم من الداخل والخارج.

 

وبعد أن يتم وضع قانون الأحزاب حيّز التفيذ، لنرى من يثبت وجوده على أرض الواقع، ومن يعنفص، كما قال أحد الشعراء:

وإذا المحسّة بين خيل قرقعت ثبت الأصيل وعنفص المعقور

 

ليست الديمقراطية قوانين وخطابات وإعلانات، إنها ممارسة. وعندما نستطيع رؤية مستوى ديمقراطيتنا الفردية على صعيد الأسرة، والعمل، والأصدقاء، والوطن، نقدر أن نحدّد بدقّة من أين نبدأ.  ما رأيته حتى الآن، رغم كلّ الخطوات الإصلاحية التي وإن تأخرت، يتخضّب خطاب "المعترضين" بالدم السوري، معلناً أن " لا حوار" حتى يتحقق لهم بعض الأهداف الميدانية، وهو كما يقول المثل الشعبي: "حلم إبليس بالجنّة".

 

2011-08-14
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
المزيد