news edu var comp
syria
syria.jpg
مساهمات القراء
عودة إلى الصفحة الرئيسية
 
الأرشيف
أرشيف المساهمات القديمة
مقالات
القانون وجرائم الشرف .. وصمة عار على جبين المجتمع ... بقلم : fatima
syria-news image

في إحدى القضايا، و أمام محكمة الجنايات، وقف الأخ القاتل يقول: لقد سمعتها  تنطق بالشهادة ، ولم تقاومني على الإطلاق، أو حتى تصرخ، لقد كانت فتاة عاقلة جداً و بسيطة .


هكذا بكل دمٍ بارد اعترف بجريمته وكأنه يتكلم عن ذبح خروف أو دجاجة، والسبب أنها تعرضت للاغتصاب من أحد أقاربه ، فأقدم على ذبحها بدون أي رحمة و بكل وحشية ، ولتدفع هذه الفتاة ثمنا غاليا جداً لجريمة لم ترتكبها وذلك بدلاً من ملاحقة الجاني والإدعاء عليه ليحاكم وينال العقوبة التي يستحقها، وليكون عبرة لكل من يعتبر من ذوي النفوس الضعيفة.

مثل هذه الجرائم وغيرها الكثير باتت تطالعنا بها الصحف يوميا ، وهي تترجم لنا عفونة أفكار المجتمع ورعونته ، أمام أبشع الجرائم البشرية و الإنسانية ، باسم العادات و التقاليد وباسم الشرف !!!.

حيث يظن القاتل ، بأن هنالك عارا لحق به وبعائلته ، وأنه لا يمكن التخلص من هذه المهانة،إلا بارتكاب هذه الجريمة ، وسفح الدم لغسل هذا العار.

ولو دققنا في الأمر جيدا لرأينا أن القاتل ،لم يقم أيضاً بجريمته و يندفع إليها ،إلا إرضاءً لفكرة للمجتمع اعتبرها مقدّسة ، أو لإسكات الألسن، وبالتالي يصبح هذا الشاب من حيث لا يدري، ضحية أخرى من ضحايا المجتمع والتفكير السائد فيه. ومما يؤلم أكثر،هو دفع صغار السن ليرتكبوا مثل هذه الجرائم ، فقط لكي ينجو الكبار من العقاب بفعلتهم هذه. وليتحول هؤلاء الصغار إلى السجون بذنب لم يرتكبوه أصلاً.

علما أنّ بعض هذه الجرائم أيضا كان يتم لها تسجيل ضبط في الشرطة، ولكن الشرطة لا تحتفظ بالضحية و تعمد لاحقا إلى تسليم الفتاة إلى أهلها بعد إلزامهم بكتابة تعهد بعدم التعرض لها بأي أذية، مع علمهم تماما أن هذا التعهد لا قيمة له ، فمجرد تسليم الفتاة لأهلها فإنها ستُقتل عاجلاّ أم آجلاً .

وهنا أطرح سؤال؟ إلى متى ستبقى هذه الجرائم تبرر للفاعل جريمته ؟ وإلى متى سيبقى القانون يحمي هؤلاء القتلة ؟ وإلى متى ستبقى الأحكام المخففة و التماس الباعث الشريف ،دوافعاً لارتكابها، سيما إن علمنا أن أغلب تلك الجرائم ، يذهب ضحيتها بريئات لمجرد الشك، وليتبين لاحقاً عذريتهن، أو ربما أن المجني عليها قامت بتصرف يعتبره الرجل الجاني من وجهة نظره مسيئا لشرفه ،أو أن الزوجة مثلا خرجت من بيت زوجها  دون رضاه ، والكثير الكثير من الدوافع التافهة للغاية .

وما يحدث غالبا في القضايا تلك ، أنه يتم إغفال الجانب المتعلّق بالضحية، وأن الجاني قام بجريمته لغسل العار ، حيث يعتبر القانون أنه طالما بالأصل لا يوجد خلاف بين الجاني و المجني عليها ، فلابد إذا أن يكون (الدافع شريف) و هذا ما يجعل القاتل وفي أغلب الأحيان يستغل تهاون القانون معه ، مما يدفعه إلى ارتكاب جريمته وهو مطمئن ومرتاح البال، وليتحول القانون لشريك في هذه الجريمة بشكل أو بآخر.

فإذا نظرنا إلى المادة/548/ عقوبات حيث عدلت في عام 2009 ، وتضمنت مايلي:

يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد على ألا تقل العقوبة عن الحبس  عن مدة سنتين في القتل.

فهل يمكن ياترى اعتبار هذه العقوبة كافية للردع عن ارتكاب مثل هذه الجرائم ؟ بكل تأكيد هي ليست كذلك، وليس هنالك فائدة من الحبس بعد أن تكون المرأة قد قُتِلت .

ولو كانت العقوبة أشد، ربما فكر الرجل ألف مرة قبل أن يقدم على ارتكاب جريمته هذه ، وبالتالي سيكون لديه فرصة أكبر للتحقق من صحة الأمر.

ولكن يبدو أنّ المرأة ستبقى ضحيةً إلى ما شاء الله ،طالما القانون بذات نفسه يسمح له بذلك، ويمنحه الأعذار المخففة للاستفادة منها، مع قصر ذلك على الرجل دون المرأة، ومع لحظ أن ورود عنصر المفاجأة في نص القرار يجب أن ينطبق على الزوج والزوجة معاً. فحالة الزوجة التي تشاهد زوجها في نفس الحالة لن تقل غضبا عن الزوج ، بل ربما تكون في حالة غضب وانفعال أشد وأكبر.

 

وهكذا تصبح المرأة  ضحية مرتين ، العادات و التقاليد من جهة ، وعدم إنصاف القانون لها من جهةٍ أخرى .

وأعود لأتساءل من جديد ، إن كان الشرع  قد اعتبر الزنى جريمة واحدة  يعاقب عليها كل من الزاني و الزانية بنفس العقوبة ودون تمييز ، وهذا ما بيناه في مقال سابق نُشِر في سيريانيوز بعنوان ( لا ترجموني بحجارتكم ) ، فعلى أي أساس إذا يتمّ التمييز في العقوبة في القانون.

وليس هذا فحسب ، فقانون العقوبات العام المادة /473/ لجأ إلى عقاب المرأة الزانية دون تمييز سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين ، بينما الرجل يعاقب بنفس العقوبة إذا كان متزوجا وبالحبس من شهر إلى سنة إذا كان غير متزوجا؟!

وبالتالي نجد أن القانون اعتبر ضمنا أن عدم زواج الرجل هو (عذرٌ مخفف له في جريمة الزنا) بينما المرأة ليست كذلك؟؟!!

المادة /473/ تضمنت ما يلي :

1- تعاقب المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين.

2- يقضى بالعقوبة نفسها على شريك الزانية إذا كان متزوجا،وإلا فالحبس من شهر إلى سنة.

علما أن القانون السوري يعاقب الشريك بعقوبة مساوية لعقوبة الفاعل. وفقاً للمادة/212/ عقوبات ، فعلى أي أساس تمّ إغفال هذا الجانب الهام بالمساواة في العقوبة في جرائم الشرف ؟

ربما القانون اعتبر أن ّشرف العائلة  لا علاقة للرجل به ، فلهذا يجب معاقبة المرأة و إعفاء الرجل، مع أن المجتمع والقانون يعتبر أن الرجل هو صاحب العقل والخبرة و الاحتكاك في المجتمع، وأن المرأة و ما تتعرض له في كافة مجالات حياتها من تضييق ، يجعلها أقل خبرةٍ بكثير من الرجل، وتكون معرضة للخداع بسهولة أكبر.

وما يثير الاستغراب أيضا ما ورد في اجتهاد محكمة النقض قرار 274 تاريخ 28/2/1982 أن مجرد تمكين المرأة التي لها من العمر أكثر من خمسة عشر عاما من ضمها وعناقها لا يعتبر فحشا ولا دعارة وليس فيه( إرضاء لشهوة الرجل) لأن إرضاء هذه الشهوة لا يكون إلا بالجماع و الفعل الجنسي الكامل.

وهكذا اعتبرت محكمة النقض أنه طالما لم يتم إرضاء هذه الشهوة فإن الفعل لا يشكل فحشاً، متناسية الوقائع التي تحدث في مجتمعنا ، وأن التهاون في هذا الأمر قد يكون سببا في فقدان المرأة لحياتها من خلال ارتكاب جريمة شرف بحقها، والقاتل طبعا هنا سيستفيد (بالدافع الشريف ) .

 

وليكون القانون بذلك قد سمح للقاتل مرةً أخرى بارتكاب هذه الجريمة؟ وعمل على ترسيخ مفهوم الشرف الأحادي الجانب في المجتمع؟

ورغم أن الإسلام قد دعا إلى العدالة الاجتماعية وساوى بين البشر،إلا أن القوانين للأسف عادت تضطهد النساء ، وجعلت الرجال يختارون ما يناسبهم ، و يهملون مالا يخدم سيطرتهم على النساء.

 

وما يجب أن ندركه جميعاً ،أن المرأة في مجتمعنا الشرقي هي امرأة مخلصة بشكل عام، وتفخر دائما بعفتها وشرفها و أخلاقها ، وإن وقعت في شرك الزنى فإن هذا يعود إلى مجموعة من الظروف الاجتماعية التي ربما تكون قد عاشتها ، وكثير من العادات ما يجعل المرأة تًسْلَب كل قواها وتجعلها رغما عنها ترضخ لعبودية الرجل بشكل قسري و ظالم، مما قد يضطرها يوماً، إلى كسر هذه القيود التي كبلتها وخنقتها، وسلك طرق ملتوية في حياتها، ولكن حقيقةً و واقع الأمر  فإن الرجل هو المسؤول عن ماآلت إليه هذه المرأة .

وحتى لو راعينا فرضا تقاليد المجتمع واعتبرنا المرأة هي رمز لهذا الشرف، فمن يعتدي على هذا الشرف؟ أليس الرجل أيضاً ، ومن ثمّ نرحم الرجل ونعاقب المرأة؟!

ولكن يبدو الحقيقة الواجب قولها أن المرأة دائما هي الطرف الأضعف والأسهل في التخلص منها.

فلابد إذاً من الاعتراف بالواقع الاجتماعي المعاش وذلك بالبحث عن الدوافع والأسباب ومعالجتها بشكل جذري، وتحسين هذا الواقع ، وتأمين فرص للعمل ، وتيسير شروط الزواج والتكاليف، وبث التوعية و الإرشاد من خلال كافة المؤسسات التربوية و الأهلية و الحكومية.

وكذلك لابد من وضع مواد قانونية تحقق العدالة والمساواة وأن لا يكون هنالك امتياز لأحد على حساب الآخر. بحيث يتم معاقبة مرتكب الزنى (رجلا أو امرأة ) بأشد العقوبات، وذلك لاعتبار أن الزنى هو السبب الأول والأهم  في ارتكاب ما يسمى بجرائم الشرف.

ربما هنالك من سيأتي الآن ليقول لنطبق حد الزنا كما هو منصوص شرعا، أقول نعم لنطبّق ، ولكن هل جميع مرتكبي هذه الجرائم هم من يخضعون لهذا الشرع؟ إذا لابد من وجود قانون يحمي الجميع .

وقبل هذا وذاك أسألكم بحق الله : هل ياترى لو أقرت الدولة في محاكمها الشرعية بتطبيق هذا الحد لمن يخضع له، على أن يكون الحد مشروطا طبعاً بأربعة شهود وأن يكون بشكل علني (أمام طائفة من المؤمنين) وليس لمجرّد الشبهة أو الظن، ستغفرون للفتاة ما ارتكبت، وستتركونها على قيد الحياة  لتعيش؟

ولكن على ما أعتقد فأننا مازلنا بحاجة إلى مزيدٍ من الوقت  من أجل محاربة هذه الظاهرة، ولن يكون هذا إلا بالعمل الجاد و التثقيف المستمر، وكذلك السعي الدائم لتغيير هذه القوانين التي تتسامح مع مثل هذه الجرائم ، من أجل أن لا تبدو وكأنها شريكا في الجريمة وأنها تحمي القتلة، ولكي يشعر كل إنسان سواء رجل أم امرأة بأن حياته وكرامته مصانتان، وبالتدرج لابد أن يتم التخلص من هذه العادات و التقاليد البالية ، التي أزهقت روح هذا المجتمع وأضرت بكيانه أيما ضرر.

وعلى هذا  سنسعى......

و دمتم بمحبة وخير و سلام

2010-11-08
أكثر المساهمات قراءة
(خلال آخر ثلاثة أيام)
المزيد